فصل: تفسير الآيات (32- 34):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم



.تفسير الآيات (26- 27):

{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27)}
{لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} أي أعمالَهم أي عمِلوها على الوجه اللائقِ وهو حسنُها الوصفيُّ المستلزمُ لحسنها الذاتي، وقد فسره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «أن تعبدَ الله كأنك تراه فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك» {الحسنى} أي المثوبةُ الحسنى {وَزِيَادَةٌ} أي ما يزيد على تلك المثوبة تفضلاً لقوله عز اسمه: {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} وقيل: الحسنى مثلُ حسناتِهم والزيادةُ عشرُ أمثالهِا إلى سبعمائة ضعفٍ وأكثر، وقيل: الزيادةُ مغفرةٌ من الله ورِضوانٌ، وقيل: الحُسنى الجنةُ والزيادة اللقاء {وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ} أي لا يغشاها {قَتَرٌ} غبرةٌ فيها سوادٌ {وَلاَ ذِلَّةٌ} أي أثرُ هوانٍ وكسوفُ بالٍ، والمعنى لا يرهقهم ما يرهَق أهلَ النار أو لا يرهَقُهم ما يوجب ذلك من الحزن وسوءِ الحالِ، والتنكيرُ للتحقير أيْ شيءٌ منهما والجملةُ مستأنفةٌ لبيان أمنِهم من المكاره إثرَ بيان فوزِهم بالمطالب والثاني وإن اقتضى الأولَ إلا أنه ذُكر إذكاراً بما ينقذهم الله تعالى منه برحمته، وتقديمُ المفعولِ على الفاعل للاهتمام بيان أن المصونَ من الرهَق أشرفُ أعضائِهم وللتشويق إلى المؤخر فإن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخّر تبقى النفسُ مترقبةً لوروده فعند ورودِه عليها يتمكن عندها فضلُ تمكن ولأن في الفاعل ضربَ تفصيلٍ كما في قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ} وقوله عز وجل: {وَجَاءكَ فِي هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ} {أولئك} إشارةٌ إلى المذكروين باعتبار اتصافِهم بالصفات المذكورةِ، وما في اسم الإشارةِ من معنى البُعدِ للإيذان بعلو درجتِهم وسموّ طبقتِهم أي أولئك الموصوفون بما ذكر من النعوت الجميلةِ الفائزون بالمثوبات الناجون عن المكاره {أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون} بلا زوالٍ دائمون بلا انتقال.
{والذين كَسَبُواْ السيئات} أي الشركَ والمعاصيَ وهو مبتدأٌ بتقدير المضافِ خبرُه قوله تعالى: {جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا} أي جزاءُ الذين كسبوا السيئاتِ أن يجازى سيئةً واحدةً بسيئة مثلها، لا يزاد عليها كما يزاد في الحسنة، وتغييرُ السبكِ حيث لم يقل: وللذين كسبوا السيئاتِ السوآى لمراعاة ما بين الفريقين من كمال التنائي والتبايُن، وإيرادُ الكسب للإيذان بأن ذلك إنما هو لسوء صنيعِهم وبسبب جنايتِهم على أنفسهم، أو الموصولُ معطوفٌ على الموصول الأولِ كأنه قيل: وللذين كسبوا السيئاتِ جزاءُ سيئةٍ بمثلها كقولك: في الدار زيدٌ والحجرةِ عمروٌ وفيه دلالةٌ على أن المرادَ بالزيادة الفضلُ {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} وأيُّ ذلةٍ كما ينبىء عنه التنوينُ التفخيميُّ، وفي إسناد الرَهق إلى أنفسهم دون وجوهِهم إيذانٌ بأنها محيطةٌ بهم غاشيةٌ لهم جميعاً وقرئ {يرهَقهم} بالياء التحتانية {مَّا لَهُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ} أي لا يعصِمُهم أحدٌ من سُخطه وعذابِه تعالى أو ما لهم من عنده تعالى مَن يعصمهم كما يكون للمؤمنين، وفي نفي العاصمِ من المبالغة في نفي العصمةِ ما لا يخفى، والجملةُ مستأنفةٌ أو حال من ضمير ترهقهم {كَأَنَّمَا أُغْشِيَت وُجُوههم قطعاً مِنَ اللَّيْلِ} لفرط سوادِها وظلمتِها {مُظْلِماً} حالٌ من الليل والعاملُ فيه أغشيت لأنه العاملُ في قِطَعاً وهو موصوفٌ بالجار والمجرور والعاملُ في الموصوف عاملٌ في الصفة، أو معنى الفعلِ في {مِنَ الليل} وقرئ {قِطْعاً} بسكون الطاء وهو طائفة من الليل قال:
افتحي الباب وانظُري في النجوم ** كم علينا من قِطْع ليلٍ بهيم

فيجوزُ كونُ مظلماً صفةً له أو حالاً منه وقرئ {كأنما يغشى وجوهَهم قِطعٌ من الليل مظلمٌ}، والجملةُ كما قبلها مستأنفةٌ أو حال من ضمير ترهقهم {أولئك} أي الموصوفون بما ذكر من الصفات الذميمة {أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون} وحيث كانت الآيةُ الكريمةُ في حق الكفارِ بشهادة السياقِ والسباقِ لم يكن فيها تمسك للوعيدية.

.تفسير الآية رقم (28):

{وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28)}
{وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} كلامٌ مسأنفٌ مسوقٌ لبيان بعضٍ آخرَ من أحوالهم الفظيعةِ، وتأخيرُه في الذكر مع تقدمه في الوجود على بعض أحوالِهم المحكيةِ سابقاً للإيذان باستقلال كلَ من السابق واللاحقِ بالاعتبار، ولو روعيَ الترتيبُ الخارجيُّ لعُدَّ الكلُّ شيئاً واحداً كما مر في قصة البقرة ولذلك فصل عما قبله، ويومَ منصوبٌ على المفعولية بمضمر أي أنذرْهم أو ذكرْهم، وضمير نحشُرهم لكلا الفريقين الذين أحسنوا والذين كسبوا السيئاتِ لأنه المتبادرُ من قوله تعالى: {جَمِيعاً} ومن أفراد الفريقِ الثاني بالذكر في قوله تعالى: {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أي نقول للمشركين من بينهم ولأن توبيخَهم وتهديدَهم على رؤوس الأشهادِ أفظعُ والإخبارُ بحشر الكلِّ في تهويل اليومِ أدخل، وتخصيصُ وصفِ إشراكهم بالذكر في حيز الصلةِ من بين سائر ما اكتسبوه من السيئات لابتناء التوبيخِ والتقريعِ عليه مع ما فيه من الإيذان بكونه معظمَ جناياتِهم وعمدةَ سيئاتِهم، وقيل: للفريق الثاني خاصةً فيكون وضعُ الموصولِ موضعَ الضميرِ لما ذكر آنفاً {مَكَانَكُمْ} نُصب على أنه في الأصل ظرفٌ لفعيل أقيم مُقامه لا على أنه اسمُ فعل، وحركتُه حركةُ بناءٍ كما هو رأيُ الفارسي، أي الزَموه حتى تنظُروا ما يفعل بكم {أَنتُمْ} تأكيدٌ للضمير المنتقل إليه من عامله لسده مسدَّه {وَشُرَكَاؤُكُمْ} عطفٌ عليه وقرئ بالنصب على أن الواوَ بمعنى مع {فَزَيَّلْنَا} من زيّلت الشيء مكانه أُزيِّله أي أزلتُه، والتضعيف للتكثير لا للتعدية وقرئ {فزايلنا} بمعناه نحو كلّمتُه وكالمته وهو معطوفٌ على نقول، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدِلالة على التحقق المورِّثِ لزيادة التوبيخِ والتحسيرِ، والفاءُ للدِلالة على وقوع التزييل ومباديه عقيبَ الخطابِ من غير مُهلةٍ إيذاناً بكمال رخاوةِ ما بين الفريقين من العلاقة والوصلةِ أي ففرقنا {بَيْنَهُمْ} وقطّعنا أقرانَهم والوصائل التي كانت بينهم في الدنيا لكن لا من الجانبين بل من جانب العبَدةِ فقط لعدم احتمالِ شمولِ الشركاءِ للشياطين كما سيجيء فخابت آمالُهم وانصرمت عُرى أطماعِهم وحصل لهم اليأسُ الكليُّ من حصول ما كانوا يرجونه من جهتهم، والحالُ وإن كانت معلومةً لهم من حين الموتِ والابتلاءِ بالعذاب لكن هذه المرتبةَ من اليقين إنما حصلت عند المشاهدةِ والمشافهةِ، وقيل: المرادُ بالتزييل التفريقُ الحسيُّ أي فباعدنا بينهم بعد الجمعِ في الموقفِ وتبرُّؤ شركائِهم منهم ومن عبادتهم كما في قوله تعالى: {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} فالواو حينئذ في قوله تعالى: {وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ} حاليةٌ بتقدير كلمةِ قد عند من يشترطها وبدونه عند غيرِه ولا عاطفة كما في التفسير الأول لاستدعاء المحاورةِ المحاضرةَ الفائتةَ بالمباعدة وليس في ترتيب التزييلِ بهذا المعنى على الأمر بلزوم المكانِ ما في ترتيبه عليه بالمعنى الأول من النكتة المذكورةِ ليُصار لأجل رعايتِها إلى تغيير الترتيبِ الخارجيِّ فإن المباعدةَ بعد المحاورةِ حتماً، وأما قطعُ الأقران والعلائق فليس كذلك بل ابتداؤُه حاصلٌ من حين الحشر، بل بعضُ مراتبه حاصلٌ قبله أيضاً وإنما الحاصلُ عند المحاورةِ أقصاها كما أشير إليه اعتداداً بما في تقديمه من التغيير لاسيما مع رعاية ماذكر من النكتة، ولو سلم تأخرُ جميعِ مراتبِه عن المحاورة فمراعاةُ تلك النكتةِ كافيةٌ في استدعاء تقديمِه عليها ويجوز أن تكون حاليةً على هذا التقديرِ أيضاً، والمرادُ بالشركاء قيل: الملائكةُ وعُزيرٌ والمسيحُ وغيرُهم ممن عبدوه من أولي العلم ففيه تأييدٌ لرجوع الضميرِ إلى الكل وقولهم: {مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ}
عبارةٌ عن تبرئهم من عبادتهم وأنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءَهم وشياطينَهم الذين أغوَوْهم لأنها الآمرةُ لهم بالإشراك دونهم كقولهم: {سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ} الآية، وقيل: الأصنامُ يُنطِقها الله الذي أنطق كلَّ شيء فتُشافِهُهم بذلك مكانَ الشفاعةِ التي كانوا يتوقعونها.

.تفسير الآيات (29- 30):

{فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30)}
{فكفى بالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} فإنه العليمُ الخبير {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لغافلين} أي عن عبادتكم لنا، وتركهُ للظهور وللإيذان بكمال الغفلةِ عنها، والغفلةُ عبارةٌ عن عدم الارتضاءِ وإلا فعدمُ شعورِ الملائكةِ بعبادتهم لهم غيرُ ظاهرٍ وهذا يقطع احتمالَ كونِ المرادِ بالشركاء الشياطينَ كما قيل فإن ارتضاءَهم بإشراكهم مما لا ريب فيه وإن لم يكونوا مُجْبِرين لهم على ذلك وإنْ مخففةٌ من إنّ واللامُ فارقة {هُنَالِكَ} أي في ذلك المقام الدهِش، أو في ذلك الوقت على استعارة ظرفِ المكان للزمان {تبلو} أي تختبر وتذوق {تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} مؤمنةً كانت أو كافرةً سعيدةً أو شقية {مَّا أَسْلَفَتْ} من العمل وتعاينه بكُنهه مستتبِعاً لآثاره من نفع أوضُرَ وخيرٍ أو شر، وأما ما علِمتْ من حالها من حين الموتِ والابتلاءِ بالعذاب في البرزخ فأمرٌ مجملٌ وقرئ {نبلو} بنونِ العظمةِ ونصبِ كلُّ وإبدالِ ما منه أي نعاملها معاملةَ من يبلوها ويتعرّفُ أحوالَها من السعادة والشقاوةِ باختبار ما أسلفت من العمل، ويجوزُ أن يُراد نُصيب بالبلاء أي العذاب كلَّ نفسٍ عاصيةٍ بسبب ما أسلفت من الشر فيكون ما منصوبةً بنزع الخافضِ وقرئ {تتلو} أي تتبع لأن عملَها هو الذي يهديها إلى طريق الجنةِ أو إلى طريق النارِ، أو تقرأ في صحيفه أعمالِها ما قدمت من خير أو شر {وَرُدُّواْ} الضمير الذين أشركوا على أنه معطوفٌ على زيلنا وما عطف عليه قوله عز وجل: {هُنَالِكَ تَبْلُواْ} الخ، اعتراضٌ في أثناء الحكايةِ مقرّرٌ لمضمونها {إِلَى الله} أي جزائه وعقابه {مولاهم} ربِّهم {الحق} أي المتحقق الصادِق ربوبيتُه لا ما اتخذوه باطلاً وقرئ {الحقَّ} بالنصب على المدح كقولهم: الحمدُ لله أهلَ الحمد أو على المصدر المؤكد.
{وَضَلَّ عَنْهُم} وضاع أي ظهر ضَياعُه وضلالُه لا أنه كان قبل ذلك غيرَ ضالٍ، أو ضل في اعتقادهم أيضاً {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من أن آلهتَهم تشفع لهم أو ما كانوا يدعون أنها آلهةٌ، هذا وجُعل الضميرُ في رُدوا للنفوسِ المدلولِ عليها بكل نفسٍ على أنه معطوفٌ على تبلو وأن العدولَ إلى الماضي للدِلالة على التحقق والتقرر، وأن إيثارَ صيغةِ الجمعِ للإيذان بأن ردّهم إلى الله يكون على طريقة الاجتماعِ لا يلائمه التعرُّض لوصف الحقيةِ في قوله تعالى: {مولاهم الحق} فإنه للتعريض بالمردودين حسبما أشير إليه، ولئن اكتُفيَ فيه بالتعريض ببعضهم أو حُمل {الحقِّ} على معنى العدل في الثواب والعقاب فقوله عز وجل: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} مما لا مجال فيه للتدارك قطعاً، فإن ما فيه من الضمائر الثلاثةِ للمشركين فليزم التفكيكُ حتماً وتخصيصُ {كلُّ نفس} بالنفوس المشتركةِ مع عموم البلوى للكل يأباه مقامُ تهويلِ المقام والله تعالى أعلم.

.تفسير الآية رقم (31):

{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)}
{قُلْ} أي لأولئك المشركين الذين حُكيت أحوالُهم وبيّن ما يؤدي إليه أعمالُهم احتجاجاً على حقية التوحيدِ وبُطلانِ ما هم عليه من الإشراك {مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والارض} أي منهما جميعاً فإن الأرزاقَ تحصُل بأسباب سماوية وموادَّ أرضيةٍ أو من كل واحدة منهما توسعةً عليكم وقيل: مِنْ لبيان كلمة مَنْ على حذف المضافِ أي مِنْ أهل السماء والأرض {أَم مَّنْ يَمْلِكُ السمع والابصار} أم منقطعةٌ وما فيها من كلمة بل للإضراب عن الاستفهام الأولِ لكن لا على طريقة الإبطالِ بل على وجه الانتقالِ وصرفِ الكلام عنه إلى استفهام آخرَ تنبيهاً على كفايته فيما هو المقصودُ، أي من يستطيع خلقَهما وتسويتَهما على هذه الفطرةِ العجبيةِ أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالِهما من أدنى شيءٍ يصيبهما {وَمَن يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحى} أي ومن يحيي ويميت أو ومن ينشىء الحيوانَ من النطفة والنطفةَ من الحيوان {وَمَن يُدَبّرُ الامر} أي ومن يلي تدبيرَ أمرِ العالم جميعاً، وهو تعميمٌ بعد تخصيصِ بعضِ ما اندرج تحته من الأمور الظاهرةِ بالذكر {فَسَيَقُولُونَ} بلا تلعثم ولا تأخير {الله} إذ لا مجال للمكابرة لغاية وضوحِه، والخبرُ محذوف أي الله يفعل ما ذكر من الأفاعيل لا غيرُه.
{فَقُلْ} عند ذلك تبكيتاً لهم {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} الهمزةُ لإنكار عدمِ الاتقاء بمعنى إنكارِ الواقع كما في أتضرب أباك؟ لا بمعنى إنكار الوقوع في أأضربُ أبي؟ والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظمُ الكريمُ أي أتعلمون ذلك فلا تقون أنفسَكم عذابَه الذي ذَكر لكم بما تتعاطَونه من إشراككم به ما لا يشاركه في شيء مما ذُكر من خواصّ الإلهية.

.تفسير الآيات (32- 34):

{فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34)}
{فَذَلِكُمُ} فذلكةٌ لما تقدم أي ذلكم الذي اعترفتم باتصافه بالنعوت المذكورةِ وهو مبتدأٌ وقوله تعالى: {الله} خبرُه وقوله تعالى: {رَبُّكُمْ} أي مالكُكم ومتولي أمورِكم على الإطلاق بدلٌ منه أو بيان له، وقوله تعالى: {الحق} صفةٌ له أي ربكم الثابتُ ربوبيتُه والمتحققُ ألوهيتُه تحققاً لا ريب فيه {فَمَاذَا} يجوز أن يكون الكلُّ اسماً واحداً قد غلب فيه الاستفهامُ على اسم الإشارةِ وأن يكون ذا موصولاً بمعنى الذي أي ما الذي {بَعْدَ الحق} أي غيرُه بطريق الاستعارةِ، وإظهارُ الحق إما لأن المرادَ به غيرُ الأول وإما لزيادة التقريرِ ومراعاةِ كمالِ المقابلةِ بينه وبين الضلالِ، والاستفهامُ إنكاريٌّ بمعنى الوقوعِ ونفيِه أي ليس غيرُ الحق {إِلاَّ الضلال} الذي لا يختاره أحدٌ فحيث ثبت أن عبادةَ من هو منعوتٌ بما ذكر من النعوت الجميلةِ حقٌّ ظهر أن ما عداها من عبادة الأصنامِ ضلالٌ محضٌ إذ لا واسطة بينهما، وإنما سُميت ضلالاً مع كونها من أعمال الجوارحِ باعتبار ابتنائِها على ما هو ضلالٌ من الاعتقاد، والرأيُ هذا على تقدير كونِ الحقِّ عبارةً عن التوحيد، وأما على تقدير كونِه عبارةً عن الأول فالمرادُ بالضلال هو الأصنامُ لا عبادتُها، والمعنى فماذا بعد الربِّ الحقِّ الثابتِ ربوبيّتُه إلا الضلالُ أي الباطلُ الضائعُ المضمحلُّ، وإنما سمي بالمصدر مبالغةً كأنه نفسُ الضلالِ والضياعِ وهذا أنسبُ بقوله تعالى: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} على التفسير الثاني.
{فأنى تُصْرَفُونَ} استفهامٌ إنكاريٌّ بمعنى إنكارِ الواقعِ واستبعادِه والتعجيبِ منه، وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الإنكارِ إلى نفس الفعلِ لأن كلَّ موجودٍ لابد من أن يكون وجودُه على الحال من الأحوال قطعاً فإذا انتفى جميعُ أحوالِ وجودِه فقد انتفى وجودُه على الطريق البرهاني كما مر مراراً، والفاءُ لترتيب الإنكارِ على ما قبله أي كيف تُصرفون من الحق الذي لا محيدَ عنه وهو التوحيدُ إلى الضلال عن السبيل المستبينِ وهو الإشراكُ وعبادةُ الأصنام أو من عبادة ربكم الحقِّ الثابتِ ربوبيتُه إلى عبادة الباطلِ الذي سمعتم ضلالَه وضياعَه في الآخرة، وفي إيثار صيغةِ المبنيِّ للمفعول إيذانٌ بأن الانصرافَ من الحق إلى الضلال مما لا يصدُر عن العاقل بإرادته وإنما يقع عند وقوعِه بالقسر من جهة صارفٍ خارجيَ.
{كذلك} أي كما حقت الربوبيةُ لله تعالى أو كما أنه ليس بعد الحقِّ إلا الضلالُ أو أنهم مصروفون عن الحق {حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ} وحكمُه وقضاؤُه {عَلَى الذين فَسَقُواْ} أي تمردوا في الكفر وخرجوا من أقصى حدودِه {أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بدلُ الكلمةِ أو تعليلٌ لحقيتها والمرادُ بها العِدَةُ بالعذاب.
{قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ} احتجاجٌ آخرُ على حقية التوحيدِ وبطلانِ الإشراكِ بإظهار كونِ شركائِهم بمعزل من استحقاق الإلهية ببيان اختصاصِ خواصِّها من بدء الخلقِ وإعادتِه به سبحانه وتعالى وإنما لم يُعطف على ما قبله إيذاناً باستقلاله في إثبات المطلوبِ، والسؤالُ للتبكيت والإلزامِ وقد جُعلت أهليةُ الإعادةِ وتحققُها لوضوح مكانِها وسُنوحِ برهانِها بمنزلة بدءِ الخلقِ فنُظمت في سلكه حيث قيل: {مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ} إيذاناً بتلازمهما وجوداً وعدماً يستلزم الاعترافَ بها وإن صدهم عن ذلك ما بهم من المكابرة والعِناد، ثم أُمر عليه الصلاة والسلام بأن يبين لهم مَنْ يفعل ذلك فقيل له: {قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي هو يفعلهما لا غيرُ كائناً ما كان لا بأن ينوبَ عليه الصلاة والسلام عنهم في ذلك كما قيل لأن القولَ المأمورَ به غيرُ ما أريد منهم من الجواب وإن كان مستلزِماً له إذ ليس المسؤولُ عنه مَنْ يبدأ الخلق ثم يعيده كما في قوله تعالى: {قُلْ مَن رَّبُّ السموات والارض قُلِ الله} حتى يكونَ القولُ المأمورُ بين عينِ الجوابِ الذي أريد منهم ويكونَ عليه الصلاة والسلام نائباً عنهم في ذلك بل إنما هو وجودُ مَنْ يفعل البدءَ والإعادةَ من شركائهم فالجوابُ المطلوبُ منهم لا غير نعم أمر عليه الصلاة والسلام بأن يضمِّنه مقالتَه إيذاناً بتعينه وتحققِه وإشعاراً بأنهم لا يجترئون على التصريح به مخافةَ التبكيتِ وإلقامِ الحجر لا مكابرةً ولَجاجاً فتدبر. وإعادهُ الجملةِ في الجواب السابق لمزيد التأكيدِ والتحقيق {فأنى تُؤْفَكُونَ} الإفكُ الصرْفُ والقلبُ عن الشيء وقد يُخصّ بالقلب عن الرأي وهو الأنسبُ بالمقام أي كيف تُقلبون من الحق إلى الباطل، والكلامُ فيه كما ذكر في تُصرفون.